ابن خلكان
421
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
ففعلوا ذلك وألقى ذلك الطعام مثل الجبال ثم قال للمسلمين لا تأكلوا منه شيئا وأقام بأرضهم وشتا وصيف وزرع والناس يأكلون ما أصابوا من الغارات ثم أكلوا من الزرع فأقام مسلمة على قسطنطينية قاهرا لأهلها ومعه وجوه أهل الشام ومات ملك الروم ومسلمة نازل عليها فكتب الروم لي اليون صاحب أرمينية فسار اليون من أرمينية ومكر في طريقه بمسلمة ووعده أن يسلم إليه قسطنطينية وكانت الروم قد أرسلوا إلى اليون إن صرفت عنا مسلمة ملكناك فلما أتى اليون مسلمة قال له إنك لا تصدقهم القتال ولا تزال تطاولهم ما دام هذا الطعام عندك وقد أحسوا بذلك منك فلو أحرقت الطعام أعطوا ما بأيديهم فأحرقه مسلمة ووجه مع اليون مع شيعه حتى دخل القسطنطينية فلما دخلها ملكه الروم عليهم فأرسل إلى مسلمة يخبره بما جرى من أمره ويسأله أن يأذن له أن يدخل من الطعام من النواحي ما يعيش به القوم حتى يصدقوه بأن أمره وأمر مسلمة واحد وأنهم في أمان من الشتات والخروج من بلادهم وأن يأذن لهم ليلة واحدة في حمل الطعام وهيأ اليون السفن والرجال فأذن له مسلمة فحمل جميع ما في تلك النواحي من الغلة في ليلة واحدة وأفرج اليون وأصبح محاربا لمسلمة وظهرت هذه الخديعة التي لا تتم على النساء وأقام المسلمون في قلة الميرة وحصلت الميرة جميعها عند الروم ولقي المسلمون من الشدة ما لم يلق أحد قط حتى إن الرجل كان يخاف أن يخرج من العسكر وحده وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكل شيء حتى الروث هذا وسليمان مقيم بدابق فدهمهم الشتاء ولم يقدر أن يمدهم حتى هلك سليمان قيل إنه خرج من الحمام يريد الصلاة ونظر في المرآة فأعجبه جماله وكان حسن الوجه فقال أنا الخليفة الشاب فلقيته إحدى حظاياه فقال كيف ترينني فتمثلت ( ليس فيما بدا لنا فيك عيب * عابه الناس غير أنك فان ) ( أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للإنسان ) ورجع فحم فما بات تلك الليلة إلا ميتا